فصل: (461) سئل فضيلة الشيخ: عن وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق؟

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين **


‏(‏436‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول العاصي عند الإنكار عليه ‏:‏ ‏(‏أنا حر في تصرفاتي‏)‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ هذا خطأ، نقول‏:‏ لست حرًا في معصية الله، بل إنك إذا عصيت ربك فقد خرجت من الرق الذي تدعيه في عبودية الله إلى رق الشيطان والهوى‏.‏

‏(‏437‏)‏ سئل فضيلة الشيخ عن قول الإنسان‏:‏ ‏"‏إن الله على ما يشاء قدير‏"‏ عند ختم الدعاء ونحوه‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ هذا لا ينبغي لوجوه‏:‏

الأول‏:‏ أن الله تعالى إذا ذكر وصف نفسه بالقدرة لم يقيد ذلك بالمشيئة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 20‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 106‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 107‏]‏ فعمم في القدرة كما عمم في الملك وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 17‏]‏ فعمم في الملك والقدرة، وخص الخلق بالمشيئة لأن الخلق فعل، والفعل لا يكون إلا بالمشيئة، أما القدرة فصفة أزلية أبدية شاملة لما شاء وما لم يشأه، لكن ما شاءه سبحانه وقع وما لم يشأه لم يقع والآيات في ذلك كثيرة‏.‏

الثاني‏:‏ أن تقييد القدرة بالمشيئة خلاف ما كان عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، وأتباعه فقد قال الله عنهم‏:‏ ‏{‏يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 8‏]‏ ولم يقولوا ‏:‏ ‏"‏إنك على ما تشاء قدير‏"‏، وخير الطريق طريق الأنبياء وأتباعهم فإنهم أهدى علمًا وأقوم عملًا‏.‏

الثالث‏:‏ أن تقييد القدرة بالمشيئة يوهم اختصاصها بما يشاؤه الله تعالىفقط، لا سيما وأن ذلك التقييد يؤتى به في الغالب سابقًا حيث يقال‏:‏ ‏"‏على ما يشاء قدير‏"‏ وتقديم المعمول يفيد الحصر كما يعلم ذلك في تقرير علماء البلاغة وشواهده من الكتاب والسنة واللغة، وإذا خصت قدرة الله تعالىبما يشاؤه كان ذلك نقصًا في مدلولها وقصرًا لها عن عمومها فتكون قدرة الله تعالىناقصة حيث انحصرت فيما يشاؤه، وهو خلاف الواقع فإن قدرة الله تعالىعامة فيما يشاؤه وما لم يشأه، لكن ما شاءه فلابد من وقوعه، وما لم يشأه فلا يمكن وقوعه‏.‏

فإذا تبين أن وصف الله تعالى بالقدرة لا يُقيد بالمشيئة بل يطلق كما أطلقه الله تعالىلنفسه فإن ذلك لا يعارضه قول الله ـ تعالى-‏:‏ ‏{‏وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 29‏]‏ فإن المقيد هنا بالمشيئة هو الجمع لا القدرة، والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية أن الله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره ويقيده بالمشيئة رد لقول المشركين الذين قال الله تعالىعنهم‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 25‏:‏ 26‏]‏ فلما طلبوا الإتيان بآبائهم تحديًا وإنكارًا لما يجب الإيمان به من البعث، بين الله تعالى أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحدي هؤلاء وإنكارهم كما قال الله تعالى-‏:‏ ‏{‏زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 7‏:‏ 8‏]‏ والحاصل أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 29‏]‏ ‏.‏ لا يعارض ما قررناه من قبل لأن القيد بالمشيئة ليس عائدًا إلى القدرة وإنما يعود إلى الجمع‏.‏ وكذلك لا يعارضه ما ثبت في صحيح مسلم في كتاب ‏"‏الإيمان‏"‏ في ‏"‏باب آخر أهل النار خروجًا‏"‏ من حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏آخر من يدخل الجنة رجل‏)‏ فذكر الحديث وفيه أن الله تعالى قال للرجل‏:‏ ‏"‏إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر‏"‏ وذلك لأن القدرة في هذا الحديث ذكرت لتقرير أمر واقع والأمر الواقع لا يكون إلا بعد المشيئة، وليس المراد بها ذكر الصفة المطلقة التي هي وصف الله تعالى أزلًا وأبدًا، ولذلك عبر عنها باسم الفاعل ‏"‏قادر‏"‏ دون الصفة المشبهة ‏"‏قدير‏"‏ وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يستغربه المرء أو يستبعده فقيل له في تقريره ‏:‏ إن الله على ما يشاء قادر فلا حرج في ذلك، وما زال الناس يعبرون بمثل هذا في مثل ذلك، فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا ‏:‏ قادر على ما يشاء، فيجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على أنها صفة لله تعالى فلا تقيد بالمشيئة، وبين ذكرها لتقرير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة لأن الواقع لا يقع الا بالمشيئة، والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقرير وقوعه، والله سبحانهأعلم‏.‏

‏(‏438‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن حكم قول الإنسان ‏:‏ ‏"‏أنا مؤمن إن شاء الله‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ قول القائل ‏:‏ ‏"‏أنا مؤمن إن شاء الله، يسمى عند العلماء ‏(‏مسألة الاستثناء في الإيمان‏)‏‏.‏ وفيه تفصيل‏:‏

أولًا‏:‏ إن كان الاستثناء صادرًا عن شك في وجود أصل الإيمان

فهذا محرم بل كفر، لأن الإيمان جزم والشك ينافيه‏.‏

ثانيًا‏:‏ إن كان صادرًا عن خوف تزكية النفس والشهادة لها بتحقيق الإيمان قولًا وعملًا واعتقادًا، فهذا واجب خوفًا من هذا المحذور‏.‏

ثالثًا‏:‏ إن كان المقصود من الاستثناء التبرك بذكر المشيئة

أو بيان التعليل وأن ما قام بقلبه من الإيمان بمشيئة الله، فهذا جائز والتعليق على هذا الوجه ـ أعني بيان التعليل ـ لا ينافي تحقق المعلق فإنه قد ورد التعليق على هذا الوجه في الأمور المحققة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 27‏]‏ والدعاء في زيارة القبور ‏(‏وإنا إن شاء الله بكم لاحقون‏)‏ وبهذا عرف أنه لا يصح إطلاق الحكم على الاستثناء في الإيمان بل لابد من التفصيل السابق‏.‏

‏(‏439‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول ‏:‏ ‏"‏فلان المرحوم‏"‏‏.‏ و ‏"‏تغمده الله برحمته‏"‏ و ‏"‏انتقل إلى رحمة الله‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ قول‏:‏ ‏"‏فلان المرحوم‏"‏، أو ‏"‏تغمده الله برحمته‏"‏ لا بأس بها، لأن قولهم ‏:‏ ‏"‏المرحوم‏"‏ من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء فلا بأس به‏.‏

وأما ‏"‏انتقل إلى رحمة الله‏"‏، فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر، لأن مثل هذا من أمور الغيب ولا يمكن الجزم به، وكذلك لا يقال ‏:‏ ‏"‏انتقل إلى الرفيق الأعلى‏"‏‏.‏

‏(‏440‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن عبارة ‏"‏لكم تحياتنا‏"‏ وعبارة ‏"‏أهدي لكم تحياتي‏"‏‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ عبارة ‏"‏لكم تحياتنا، وأهدي لكم تحياتي‏"‏ ونحوهما من العبارات لا بأس بها قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 86‏]‏ ‏.‏ فالتحية من شخص لآخر جائزة، وأما التحيات المطلقة العامة فهي لله، كما أن الحمد لله، والشكر لله، ومع هذا فيصح أن نقول‏:‏ حمدت فلانًا على كذا، وشكرته على كذا قال الله- تعالى-‏:‏ ‏{‏أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 14‏]‏ ‏.‏

‏(‏441‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ يقول بعض الناس‏:‏ ‏"‏أوجد الله كذا‏"‏، فما مدى صحتها‏؟‏ وما الفرق بينها وبين‏:‏ ‏"‏خلق الله كذا‏"‏ أو ‏"‏صور الله كذا‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ أوجد وخلق ليس بينهما فرق، فلو قال‏:‏ أوجد الله كذا كانت بمعنى خلق الله كذا، وأما صور فتختلف لأن التصوير عائد إلى الكيفية لا إلى الإيجاد‏.‏

‏(‏442‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن حكم التسمي بإيمان‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ الذي أرى أن اسم إيمان فيه تزكية وقد صح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه غير اسم ‏"‏برة‏"‏ خوفًا من التزكية ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن زينب كان اسمها برة فقيل‏:‏ تزكي نفسها فسماها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب 10/575 فتح، وفي صحيح مسلم 3/1687 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏:‏ كانت جويرية اسمها برة فحول النبي صلى الله عليه وسلم اسمها جويرية وكان يكره أن يقال ‏:‏ خرج من عند برة، وفيه أيضًا ص1688 عن محمد بن عمرو بن عطاء قال‏:‏ سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة ‏:‏ إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهى عن هذا الاسم وسميت برة فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم‏)‏ فقالوا‏:‏ بم نسميها‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏سموها زينب‏"‏ فبين النبي، صلى الله عليه وسلم، وجه الكراهة للاسم الذي فيه التزكية وأنها من وجهين‏:‏

الأول‏:‏ أنه يقال‏:‏ خرج من عند برة وكذلك يقال‏:‏ خرج من برة‏.‏

الثاني‏:‏ التزكية والله أعلم منا بمن هو أهل للتزكية‏.‏

وعلى هذا ينبغي تغيير اسم إيمان لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عما فيه تزكية، ولا سيما إذا كان اسمًا لامرأة لأنه للذكور أقرب منه للإناث لأن كلمة ‏(‏إيمان‏)‏ مذكرة‏.‏

‏(‏443‏)‏ وسئل فضيلته‏:‏ عن التسمي بإيمان‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ اسم إيمان يحمل نوعًا من التزكية ولهذا لا تنبغي التسمية به لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، غير اسم برة لكونه دالًا على التزكية، والمخاطب في ذلك هم الأولياء الذين يسمون أولادهم بمثل هذه الأسماء التي تحمل التزكية لمن تسمى بها، أما ما كان علمًا مجردًا لا يفهم منه التزكية فهذا لا بأس به ولهذا نسمي بصالح وعلي وما أشبههما من الأعلام المجردة التي لا تحمل معنى التزكية‏.‏

‏(‏444‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ ما حكم هذه الألقاب ‏"‏حجة الله‏"‏ ‏"‏حجة الإسلام‏"‏ ‏"‏آية الله‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ هذه الألقاب ‏"‏حجة الله‏"‏ ‏"‏حجة الإسلام‏"‏ ألقاب حادثة لا تنبغي لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل‏.‏

وأما ‏"‏آية الله‏"‏ فإن أريد المعنى الأعم فهو يدخل فيه كل شيء‏:‏

وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه واحد

وإن أريد أنه آية خارقة فهذا لا يكون إلا على أيدي الرسل، لكن يقال‏:‏ عالم، مفتٍ، قاضي، حاكم، إمام لمن كان مستحقًا لذلك‏.‏

‏(‏445‏)‏ سئل الشيخ‏:‏ عن هذه العبارات‏:‏ ‏"‏باسم الوطن، باسم الشعب، باسم العروبة‏"‏‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبر عن العرب أو يعبر عن أهل البلد فهذا لا بأس به، وإن قصد التبرك والاستعانة فهو نوع من الشرك، وقد يكون شركًا أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به‏.‏

‏(‏446‏)‏ وسئل فضيلته‏:‏ هل هذه العبارة صحيحة ‏"‏بفضل فلان تغير هذا الأمر، أو بجهدي صار كذا‏"‏‏؟‏

فأجاب الشيخ بقوله‏:‏ هذه العبارة صحيحة، إذا كان للمذكور أثر في حصوله، فإن الإنسان له فضل على أخيه إذا أحسن إليه، فإذا كان للإنسان في هذا الأمر أثر حقيقي فلا بأس أن يقال‏:‏ هذا بفضل فلان، أو بجهود فلان، أو ما أشبه ذلك، لأن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة شرعًا وحسًا، ففي صحيح مسلم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال في عمه أبي طالب‏:‏ ‏(‏لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار‏)‏‏.‏ وكان أبوطالب يعذب في نار جهنم في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذابًا ـ والعياذ بالله ـ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار‏)‏‏.‏

أما إذا أضاف الشيء إلى سبب وليس بصحيح فإن هذا لا يجوز، وقد يكون شركًا، كما لو أضاف حدوث أمر لا يحدثه إلا الله إلى أحد من المخلوقين، أو أضاف شيئًا إلى أحدٍ من الأموات أنه هو الذي جلبه له فإن هذا من الشرك في الربوبية‏.‏

‏(‏447‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن حكم قول‏:‏ ‏"‏البقية في حياتك‏"‏، عند التعزية ورد أهل الميت بقولهم‏:‏ ‏"‏حياتك الباقية‏"‏‏؟‏

فأجاب فضيلته بقوله‏:‏ لا أرى فيها مانعًا إذا قال الإنسان‏:‏ ‏"‏البقية في حياتك‏"‏ لا أرى فيها مانعًا، ولكن الأولى أن يقال‏:‏ إن في الله خلفًا من كل هالك، أحسن من أن يقال‏:‏ ‏"‏البقية في حياتك‏"‏، كذلك الرد عليه إذا غير المعزي هذا الأسلوب فسوف يتغير الرد‏.‏

‏(‏448‏)‏ وسئل حفظه الله تعالى‏:‏ عن حكم ثناء الإنسان على الله تعالى بهذه العبارة ‏"‏بيده الخير والشر‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ أفضل ما يثني به العبد على ربه هو ما أثنى به سبحانه على نفسه أو أثنى به عليه أعلم الناس به نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، والله - عز وجل - لم يثن على نفسه وهو يتحدث عن عموم ملكه وتمام سلطانه وتصرفه أن بيده الشر كما في قوله ـ تعالى ـ ‏:‏ ‏{‏قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 29‏]‏ ‏.‏ فأثنى سبحانه على نفسه بأن بيده الخير في هذا المقام الذي قد يكون شرًا بالنسبة لمحله وهو الإنسان المقدر عليه الذل، ولكنه خير بالنسبة إلى فعل الله لصدوره عن حكمة بالغة، ولذلك أعقبه بقوله ‏:‏ ‏{‏بِيَدِكَ الْخَيْرُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 26‏]‏ وهكذا كل ما يقدره الله من شرور في مخلوقاته هي شرور بالنسبة لمحالها، أما بالنسبة لفعل الله تعالى لها وإيجاده فهي خير لصدورها عن حكمة بالغة، فهناك فرق بين فعل الله تعالى الذي هو فعله كله خير، وبين مفعولاته ومخلوقاته البائنة عنه ففيها الخير والشر، ويزيد الأمر وضوحًا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أثنى على ربه تبارك وتعالى بأن الخير بيده ونفى نسبة الشر إليه كما في حديث علي، رضي الله عنه، الذي رواه مسلم وغيره مطولًا وفيه أنه، صلى الله عليه وسلم، كان يقول إذا قام إلى الصلاة‏:‏ ‏(‏وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض‏)‏ إلى أن قال‏:‏ ‏(‏لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك‏)‏ فنفى، صلى الله عليه وسلم، أن يكون الشر إلى الله تعالى، لأن أفعاله وإن كانت شرًا بالنسبة إلى محالها ومن قامت به، فليست شرًا بالنسبة إليه تعالى لصدورها عن حكمة بالغة تتضمن الخير، وبهذا تبين أن الأولى بل الأوجب في الثناء على الله أن نقتصر على ما أثنى به على نفسه وأثنى به عليه رسوله، صلى الله عليه وسلم، لأنه - تعالى- أعلم بنفسه، ورسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، أعلم الخلق به فنقول‏:‏ بيده الخير ونقتصر على ذلك كما هو في القرآن الكريم والسنة‏.‏

‏(‏449‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول العامة‏:‏ ‏"‏تباركت علينا‏؟‏‏"‏ ‏"‏زارتنا البركة‏؟‏‏"‏‏.‏

فأجاب قائلًا‏:‏ قول العامة ‏"‏تباركت علينا‏"‏ لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله - عز وجل - وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان، قال أسيد بن حضير لما نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها قال‏:‏ ‏(‏ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر‏)‏‏.‏

وطلب البركة لا يخلو من أمرين‏:‏

الأمر الأول‏:‏أن يكون طلب البركة بأمر شرعي معلوم مثل القرآن الكريم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 92‏]‏ فمن بركته أن من أخذ به وجاهد به حصل له الفتح، فأنقذ الله به أممًا كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات وهذه توفر للإنسان الجهد والوقت‏.‏

الأمر الثاني‏:‏ أن يكون طلب البركة بأمر حسي معلوم، مثل العلم فهذا الرجل يتبرك به بعلمه ودعوته إلى الخير، قال أسيد بن حضير‏:‏ ‏(‏ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر‏)‏ فإن الله قد يجري على أيدي بعض الناس من أمور الخير مالا يجريه على يد الآخر‏.‏

وهناك بركات موهومة باطلة مثل ما يزعمه الدجالون أن فلانًا الميت الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته وما أشبه ذلك، فهذه بركة باطلة لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر لكنها لا تعدو أن تكون آثارًا حسية بحيث إن الشيطان يخدم هذا الشيخ فيكون في ذلك فتنة‏.‏

أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة‏؟‏

فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة مالا يحصل لغيره، أما إن كان مخالفًا للكتاب والسنة، أو يدعو إلى باطل فإن بركته موهومة، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله‏.‏

‏(‏450‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن إطلاق عبارة‏:‏ ‏"‏كتب التراث‏"‏ على كتب السلف‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ الظاهر أنه صحيح، لأن معناه الكتب الموروثة عمن سبق، ولا أعلم في هذا مانعًا‏.‏

‏(‏451‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل في الإسلام تجديد تشريع‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ من قال‏:‏ إن في الإسلام تجديد تشريع فالواقع خلافه، فالإسلام كمل بوفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، والتشريع انتهى بها‏.‏ نعم الحوادث والوقائع تتجدد، ويحدث في كل عصرٍ ومكانٍ ما لا يحدث في غيره، ثم ينظر فيها بتشريع، ويحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة‏.‏ ويكون هذا الحكم من التشريع الإسلامي الأول، ولا ينبغي أن يسمى تشريعًا جديدًا، لأنه هضم للإسلام، ومخالف للواقع، ولا ينبغي أيضًا أن يسمى تغييرًا للتشريع، لما فيه من كسر سياج حرمة الشريعة، وهيبتها في النفوس، أو تعريضها لتغيير لا يسير على ضوء الكتاب والسنة، ولا يرضاه أحد من أهل العلم والإيمان‏.‏

أما إذا كان الحكم على الحادثة ليس على ضوء الكتاب والسنة، فهو تشريع باطل، لا يدخل تحت التقسيم في التشريع الإسلامي‏.‏

ولا يرد على ما قلت إمضاء عمر - رضي الله عنه - للطلاق الثلاث، مع أنه كان واحدة لمدة سنتين من خلافته، ومدة عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر رضي الله عنه، لأن هذا من باب التعزير بإلزام المرء ما التزمه ولذا قال عمر ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ ‏(‏أرى الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم‏)‏‏.‏ فأمضاه عليهم، وباب التعزير واسع في الشريعة، لأن المقصود به التقويم والتأديب‏.‏

‏(‏452‏)‏ وسئل عن حكم قولهم‏:‏ تدخل القدر‏؟‏ وتدخلت عناية الله‏؟‏‏.‏

فأجاب قائلًا‏:‏ قولهم‏:‏ ‏"‏تدخل القدر‏"‏ لا يصلح لأنه يعني أن القدر اعتدى بالتدخل وأنه كالمتطفل على الأمر، مع أنه أي القدر هو الأصل فكيف يقال‏:‏ تدخل‏؟‏ والأصح أن يقال‏:‏ ولكن نزل القضاء والقدر أو غلب القدر ونحو ذلك، ومثل ذلك ‏"‏تدخلت عناية الله‏"‏ الأولى أن يبد بها كلمة حصلت عناية الله، أو اقتضت عناية الله‏.‏

‏(‏453‏)‏ وسئل‏:‏ عن حكم التسمي بأسماء الله مثل كريم، وعزيز ونحوهما‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ التسمي بأسماء الله - عز وجل - يكون على وجهين‏:‏

الوجه الأول‏:‏ وهو على قسمين‏:‏

القسم الأول‏:‏ أن يحلى بـ ‏"‏ال‏"‏ ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله ـ عز وجل ـ كما لو سميت أحدًا بالعزيز، والسيد، والحكيم وما أشبه ذلك فإن هذا لا يسمى به غير الله لأن ‏"‏ال‏"‏ هذه تدل على لمح الأصل وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم‏.‏

القسم الثاني‏:‏ إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ‏"‏ال‏"‏ فإنه لا يسمى به ولهذا غير النبي، صلى الله عليه وسلم، كنية أبي الحكم التي تكنى بها، لأن أصحابه يتحاكمون إليه فقال النبي، عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إن الله هو الحكم وإليه الحكم‏)‏ ثم كناه بأكبر أولاده شريح فدل ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظًا بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإنه يمنع لأن هذه التسمية تكون مطابقة تمامًا لأسماء الله ـ سبحانه وتعالى ـ فإن أسماء الله تعالىأعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ‏"‏ال‏"‏ وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي، عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا تبع ما ليس عندك‏)‏ وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا بأس به‏.‏

لكن في مثل ‏"‏جبار‏"‏ لا ينبغي أن يتسمى به وإن كان لم يلاحظ الصفة وذلك لأنه قد يؤثر في نفس المسمى فيكون معه جبروت وغلو واستكبار على الخلق فمثل هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها ينبغي للإنسان أن يتجنبها‏.‏ والله أعلم‏.‏

‏(‏454‏)‏ وسئل‏:‏ عن حكم التسمي بأسماء الله تعالى مثل الرحيم والحكيم‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ يجوز أن يسمي الإنسان بهذه الأسماء بشرط ألا يلاحظ فيها المعنى الذي اشتقت منه بأن تكون مجرد علم فقط، ومن أسماء الصحابة الحكم، وحكيم بن حزام وكذلك اشتهر بين الناس اسم عادل وليس بمنكر، أما إذا لوحظ فيه المعنى الذي اشتقت منه هذه الأسماء فإن الظاهر أنه لا يجوز لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، غير اسم أبي الحكم الذي تكنى به، لكون قومه يتحاكمون إليه وقال النبي، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله هو الحكم وإليه الحكم‏)‏ ثم كناه بأكبر أولاده شريح وقال له‏:‏ ‏"‏أنت أبو شريح‏"‏ وذلك أن هذه الكنية التي تكنى بها هذا الرجل لوحظ فيها معنى الاسم فكان هذا مماثلًا لأسماء الله ـ سبحانه وتعالى ـ لأن أسماء الله - عز وجل - ليست مجرد أعلام بل هي أعلام من حيث دلالتها على ذات الله ـ سبحانه وتعالى ـ وأوصاف من حيث دلالتها على المعنى الذي تتضمنه، وأما أسماء غيره ـ سبحانه وتعالى ـ فإنها مجرد أعلام إلا أسماء النبي، صلى الله عليه وسلم، فإنها أعلام وأوصاف، وكذلك أسماء كتب الله - عز وجل - فهي أعلام وأوصاف أيضًا‏.‏

‏(‏455‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن حكم ثناء الإنسان على نفسه‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ الثناء على النفس إن أراد به الإنسان التحدث بنعمة الله - عز وجل - أو أن يتأسى به غيره من أقرانه ونظرائه فهذا لا بأس به، وإن أراد به الإنسان تزكية نفسه وإدلاله بعمله على ربه -عزوجل - فإن هذا فيه شيء من المنة فلا يجوز وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 17‏]‏ ‏.‏

وإن أراد به مجرد الخبر فلا بأس به لكن الأولى تركه‏.‏

فالأحوال إذًا في مثل هذا الكلام الذي فيه ثناء المرء على نفسه أربع‏:‏

الحال الأولى‏:‏ أن يريد بذلك التحدث بنعمة الله عليه فيما حباه به من الإيمان والثبات‏.‏

الحال الثانية‏:‏ أن يريد بذلك تنشيط أمثاله ونظرائه على مثل ما كان عليه‏.‏

فهاتان الحالان محمودتان لما تشتملان عليه من هذه النية الطيبة‏.‏

الحال الثالثة‏:‏ أن يريد بذلك الفخر والتباهي والإدلال على الله - عز وجل - بما هو عليه من الإيمان والثبات وهذا غير جائز لما ذكرنا من الآية‏.‏

الحال الرابعة‏:‏ أن يريد بذلك مجرد الخبر عن نفسه بما هو عليه من الإيمان والثبات فهذا جائز ولكن الأولى تركه‏.‏

‏(‏456‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول ‏"‏ياحاج‏"‏، و ‏"‏السيد فلان‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ قول‏:‏ ‏"‏حاج‏"‏ يعني أدى الحج لا شيء فيها‏.‏

وأما السيد فينظر إن كان صحيحًا أنه ذو سيادة فيقال‏:‏ هو سيد بدون أل فلا بأس به، بشرط ألا يكون فاسقًا ولا كافرًا، فإن كان فاسقًا أو كافرًا فإنه لا يجوز إطلاق لفظ سيد إلا مضافًا إلى قومه، مثل سيد بني فلان، أو سيد الشعب الفلاني ونحو ذلك‏.‏

‏(‏457‏)‏ وسئل أيضًا‏:‏ عن حكم ما درج على ألسنة بعض الناس من قولهم‏:‏ ‏"‏حرام عليك أن تفعل كذا وكذا‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ هذا الذي وصفوه بالتحريم إما أن يكون مما حرمه الله كما لو قالوا حرام أن يعتدي الرجل على أخيه وما أشبه ذلك فإن وصف هذا الشيء بالحرام صحيح مطابق لما جاء به الشرع‏.‏

وأما إذا كان الشيء غير محرم فإنه لا يجوز أن يوصف بالتحريم ولو لفظًا، لأن ذلك قد يوهم تحريم ما أحل الله - عز وجل - أو يوهم الحجر على الله - عز وجل - في قضائه وقدره بحيث يقصدون بالتحريم التحريم القدري، لأن التحريم يكون قدريًا ويكون شرعيًا فما يتعلق بفعل الله - عز وجل - فإنه يكون تحريمًا قدريًا، وما يتعلق بشرعه فإنه يكون تحريمًا شرعيًا وعلى هذا فينهى هؤلاء عن إطلاق مثل هذه الكلمة ولو كانوا لا يريدون بها التحريم الشرعي، لأن التحريم القدري ليس إليهم أيضًا بل هو إلى الله - عز وجل - هو الذي يفعل ما يشاء فيحدث ما شاء أن يحدث ويمنع ما شاء أن يمنعه، فالمهم أن الذي أرى أنهم يتنزهون عن هذه الكلمة وأن يبتعدوا عنها وإن كان قصدهم في ذلك شيئًا صحيحًا‏.‏ والله الموفق‏.‏

‏(‏458‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ قلتم في الفتوى رقم ‏"‏457‏"‏ ‏:‏إن التحريم يكون قدريًا ويكون شرعيًا فنأمل من فضيلتكم التكرم ببيان بعض الأمثلة‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ سؤالكم عما ورد في جوابنا رقم ‏"‏457‏"‏ من أن التحريم يكون قدريًا ويكون شرعيًا وطلبكم أمثلة لذلك فإليكم ما طلبتم‏:‏

فمن التحريم القدري قوله تعالى في موسى‏:‏ ‏{‏وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 12‏]‏ ‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 95‏]‏ ‏.‏ ومن التحريم الشرعي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏ ‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 145‏]‏ الآية‏.‏

‏(‏459‏)‏ وسئل فضيلة الشيخ‏:‏ نسمع ونقرأ كلمة، ‏"‏حرية الفكر‏"‏، وهي دعوة إلى حرية الاعتقاد، فما تعليقكم على ذلك‏؟‏‏.‏

فأجاب بقوله‏:‏ تعليقنا على ذلك أن الذي يجيز أن يكون الإنسان حر الاعتقاد، يعتقد ما شاء من الأديان فإنه كافر،لأن كل من اعتقد أن أحدًا يسوغ له أن يتدين بغير دين محمد، صلى الله عليه وسلم، فإنه كافر بالله - عز وجل - يستتاب، فإن تاب وإلا وجب قتله‏.‏

والأديان ليست أفكارًا، ولكنها وحي من الله - عز وجل - ينزله على رسله، ليسير عباده عليه، وهذه الكلمة ـ أعني كلمة فكر ـ التي يقصد بها الدين‏:‏ يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية، لأنها تؤدي إلى هذا المعنى الفاسد، وهو أن يقال عن الإسلام‏:‏ فكر، والنصرانية فكر، واليهودية فكر ـ وأعني بالنصرانية التي يسميها أهلها بالمسيحية ـ فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس، والواقع أن الأديان السماوية أديان سماوية من عند الله - عز وجل - يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله تعبد بها عباده، ولا يجوز أن يطلق عليها ‏"‏فكر‏"‏‏.‏

وخلاصة الجواب‏:‏ أن من اعتقد أنه يجوز لأحد أن يتدين بما شاء وأنه حر فيما يتدين به فإنه كافر بالله - عز وجل - لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 85‏]‏ ‏.‏ ويقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 19‏]‏ ‏.‏ فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن دينًا سوى الإسلام جائز يجوز للإنسان أن يتعبد به بل إذا اعتقد هذا فقد صرح أهل العلم بأنه كافر كفرًا مخرجًا عن الملة‏.‏

‏(‏460‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ هل يجوز أن يقول الإنسان للمفتي ‏:‏ ما حكم الإسلام في كذا وكذا‏؟‏ أو ما رأي الإسلام‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ لا ينبغي أن يقال‏:‏‏"‏ما حكم الإسلام في كذا‏"‏، أو ‏"‏ما رأي الإسلام في كذا‏"‏ فإنه قد يخطئ فلا يكون ما قاله حكم الإسلام، لكن لو كان الحكم نصًا صريحًا فلا بأس مثل أن يقول‏:‏ ما حكم الإسلام في أكل الميتة‏؟‏ فنقول‏:‏ حكم الإسلام في أكل الميتة أنها حرام‏.‏

‏(‏461‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ الحيوان الناطق يطلق على الإنسان كما ذكره أهل المنطق، وليس فيه عندهم عيب، لأنه تعريف بحقيقة الإنسان، لكنه في العرف قول يعتبر قدحًا في الإنسان، ولهذا إذا خاطب الإنسان به عاميا فإن العامي سيعتقد أن هذا قدحٌ فيه، وحينئذ لا يجوز أن يخاطب به العامي، لأن كل شيء يسيء إلى المسلم فهو حرام، أما إذا خوطب به من يفهم الأمر على حسب اصطلاح المناطقة، فإن هذا لا حرج فيه، لأن الإنسان لا شك أنه حيوان باعتبار أنه فيه حياة، وأن الفصل الذي يميزه عن غيره من بقية الحيوانات هو النطق‏.‏ ولهذا قالوا‏:‏ إن كلمة ‏"‏حيوان‏"‏ جنس، وكلمة ‏"‏ناطق‏"‏ فصل، والجنس يعم المعرف وغيره، والفصل يميز المعرف عن غيره‏.‏

‏(‏462‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول بعض الناس‏:‏ ‏"‏خسرت في الحج كذا، وخسرت في العمرة كذا، وخسرت في الجهاد كذا، وكذا‏"‏‏؟‏‏.‏

فأجاب قائلًا‏:‏ هذه العبارات غير صحيحة، لأن مابذل في طاعة الله ليس بخسارة، بل هو الربح الحقيقي، وإنما الخسارة ما صرف في معصية، أو في ما لافائدة فيه، وأما مافيه فائدة دنيوية أو دينية فإنه ليس بخسارة‏.‏

‏(‏463‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول الإنسان لرجل‏:‏ ‏"‏أنت يا فلان خليفة الله في أرضه‏"‏‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ إذا كان ذلك صدقًا بأن كان هذا الرجل خليفة يعني ذا سلطان تام على البلد، وهو ذو السلطة العليا على أهل هذا البلد، فإن هذا لا بأس به، ومعنى قولنا‏:‏ ‏"‏خليفة الله‏"‏ أن الله استخلفه على العباد في تنفيذ شرعهلا، لأن الله - تعالى- ستخلفه على الأرض، والله ـ سبحانه وتعالى ـ مستخلفنا في الأرض جميعًا وناظر ما كنا نعمل، وليس يراد بهذه الكلمة أن الله تعالىيحتاج إلى أحد يخلفه في خلقه أو يعينه على تدبير شؤونهم ولكن الله جعله خليفة يخلف من سبقه، ويقوم بأعباء ماكلفه الله‏.‏

‏(‏464‏)‏ وسئل فضيلته‏:‏ يستخدم بعض الناس عبارة ‏"‏راعني‏"‏ ويقصدون بها انظرني، فما صحة هذه الكلمة‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ الذي أعرف أن كلمة‏:‏ ‏"‏راعني‏"‏ يعني من المراعاة أي أنزل لنا في السعر مثلًا، وانظر إلى ما أريد، ووافقني عليه، وما أشبه ذلك، وهذه لا شيء فيها‏.‏ وأما قول الله تعالى ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 104‏]‏ ‏.‏

فهذا كان اليهود يقولون‏:‏ ‏"‏راعنا‏"‏، من الرعونة فينادون بذلك الرسول، عليه الصلاة والسلام، يريدون الدعاء عليه، فلهذا قال الله لهم‏:‏ ‏{‏وَقُولُواْ انظُرْنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 104‏]‏ ‏.‏ وأما ‏"‏راعني‏"‏، فليست مثل ‏"‏راعنا‏"‏، لأن راعنا منصوبة بالألف وليست بالياء‏.‏

‏(‏465‏)‏ وسئل حفظه الله‏:‏ ما حكم قول ‏:‏ ‏"‏رب البيت‏"‏‏؟‏ ‏"‏رب المنزل‏"‏‏؟‏

فأجاب‏:‏ قولهم ‏:‏ رب البيت ونحوه ينقسم أقسامًا أربعة‏:‏

القسم الأول‏:‏ أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب في معنى لا يليق بالله - عز وجل - مثل أن يقول ‏:‏ ‏"‏أطعم ربك‏"‏ فهذا منهي عنه لوجهين‏:‏

الوجه الأول‏:‏ من جهة الصيغة لأنه يوهم معنى فاسدًا بالنسبة لكلمة رب، لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو سبحانه يُطعِم ولا يطعَم، وإن كان لا شك أن الرب هنا غير الرب الذي يطعم ولا يطعم‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ من جهة أنك تشعر العبد أو الأمة بالذل لأنه إذا كان السيد ربًّا كان العبد مربوبًا والأمة مربوبة‏.‏

وأما إذا كان في معنى يليق بالله تعالى مثل أطع ربك كان النهي عنه من أجل الوجه الثاني‏.‏

القسم الثاني‏:‏ أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب مثل ربه، وربها، فإن كان في معنى لا يليق بالله كان من الأدب اجتنابه، مثل أطعم العبد ربه أو أطعمت الأمة ربها، لئلا يتبادر منه إلى الذهن معنى لا يليق بالله‏.‏

وإن كان في معنى يليق بالله مثل أطاع العبد ربه وأطاعت الأمة ربها فلا بأس بذلك لانتفاء المحذور‏.‏

ودليل ذلك قوله، صلى الله عليه وسلم، في حديث اللقطة في ضالة الإبل وهو حديث متفق عليه‏:‏ ‏"‏حتى يجدها ربها‏"‏ وقال بعض أهل العلم‏:‏ إن حديث اللقطة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل كالإنسان، والصحيح عدم الفارق لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة بها‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 18‏]‏ وقال في العباد‏:‏ ‏{‏وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 18‏]‏ ليس جميعهم ‏{‏وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 18‏]‏ ‏.‏

القسم الثالث‏:‏ أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم فقد يقول قائل بالجواز لقوله تعالى حكاية عن يوسف‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏ أي سيدي، وإن المحذور هو الذي يقتضي الإذلال وهذا منتفٍ لأن هذا من العبد لسيده‏.‏

القسم الرابع‏:‏ أن يضاف إلى الاسم الظاهر فيقال‏:‏ هذا رب الغلام فظاهر الحديث الجواز وهو كذلك مالم يوجد محذور فيمنع كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق لمملوكه‏.‏

‏(‏466‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن قول من يقول‏:‏ إن الإنسان يتكون من عنصرين عنصر من التراب وهو الجسد، وعنصر من الله وهو الروح‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ هذا الكلام يحتمل معنيين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الروح جزء من الله‏.‏

والثاني‏:‏ أن الروح من الله خلقًا‏.‏

وأظهرهما أنه أراد أن الروح جزء من الله لأنه لو أراد أن الروح من الله خلقًا لم يكن بينها وبين الجسد فرق إذ الكل من الله تعالى خلقًا وإيجادًا‏.‏

والجواب على قوله‏:‏ أن نقول‏:‏ لا شك أن الله أضاف روح آدم إليه في قوله - تعالى-‏:‏ ‏{‏فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 29‏]‏ ‏.‏ وأضاف روح عيسى إليه فقال‏:‏ ‏{‏وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 12‏]‏ ‏.‏ وأضاف بعض مخلوقات أخرى إليه كقوله‏:‏ ‏{‏وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 26‏]‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 13‏]‏ ‏.‏ وقوله عن رسوله صالح‏:‏ ‏{‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 13‏]‏ ولكن المضاف إلى الله نوعان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما يكون منفصلًا بائنًا عنه، قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره، فإضافته إلى الله تعالى إضافة خلق وتكوين، ولا يكون ذلك إلا فيما يقصد به تشريف المضاف أو بيان عظمة الله تعالى، لعظم المضاف، فهذا النوع لا يمكن أن يكون من ذات الله، ولا من صفاته، أما كونه لا يمكن أن يكون من ذات الله تعالى، فلأن ذات الله تعالى واحدة لا يمكن أن تتجزأ أو تتفرق، وأما كونه لا يمكن أن يكون من صفات الله فلأن الصفة معنى في الموصوف لا يمكن أن تنفصل عنه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والسمع، والبصر وغيرها‏.‏ فإن هذه الصفات صفات لا تباين موصوفها، ومن هذا النوع إضافة الله تعالىروح آدم وعيسى إليه، وإضافة البيت وما في السموات والأرض إليه، وإضافة الناقة إليه، فروح آدم، وعيسى قائمة بهما، وليست من ذات الله تعالى، ولا من صفاته قطعًا، والبيت ومافي السموات والأرض، والناقة أعيان قائمة بنفسها، وليست من ذات الله ولا من صفاته، وإذا كان لا يمكن لأحد أن يقول‏:‏ إن بيت الله، وناقة الله من ذاته ولا من صفاته فكذلك الروح التي أضافها إليه ليست من ذاته ولا من صفاته، ولا فرق بينهما إذ الكل بائن منفصل عن الله - عز وجل - وكما أن البيت والناقة من الأجسام فكذلك الروح جسم تحل بدن الحي بإذن الله، يتوفاها الله حين موتها، ويمسك التي قضى عليها الموت، ويتبعها بصر الميت حين تقبض، لكنها جسم من جنس آخر‏.‏

النوع الثاني‏:‏ من المضاف إلى الله‏:‏ ما لا يكون منفصلًا عن الله بل هو من صفاته الذاتية أو الفعلية، كوجهه، ويده، وسمعه، وبصره، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك، فإضافته إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وليس من باب إضافة المخلوق والمملوك إلى مالكه وخالقه‏.‏

وقول المتكلم‏:‏ ‏"‏إن الروح من الله‏"‏ يحتمل معنى آخر غير ما قلنا‏:‏ إنه الأظهر، وهو أن البدن مادته معلومة، وهي التراب، أما الروح فمادتها غير معلومة، وهذا المعنى صحيح‏.‏ كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏ ‏.‏ وهذه ـ والله أعلم ـ من الحكمة في إضافتها إليه أنها أمر لا يمكن أن يصل إليه علم البشر بل هي مما استأثر الله بعلمه كسائر العلوم العظيمة الكثيرة التي لم نؤت منها إلا القليل، ولا نحيط بشيء من هذا القليل إلا بما شاء الله ـ تبارك وتعالى ـ‏.‏

فنسأل الله تعالى، أن يفتح علينا من رحمته وعلمه مابه صلاحنا، وفلاحنا في الدنيا والآخرة‏.‏

‏(‏467‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن المراد بالروح والنفس‏؟‏ والفرق بينهما‏؟‏

فأجاب قائلًا‏:‏ الروح في الغالب تطلق على ما به الحياة سواء كان ذلك حسًا أو معنى، فالقرآن يسمى روحًا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏ لأن به حياة القلوب بالعلم والإيمان، والروح التي يحيا بها البدن تسمى روحًا كما قال الله - تعالى-‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏ ‏.‏

أما النفس فتطلق على ما تطلق عليه الروح كثيرًا كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 42‏]‏ ‏.‏

وقد تطلق النفس على الإنسان نفسه، فيقال‏:‏ جاء فلان نفسه، فتكون بمعنى الذات، فهما يفترقان أحيانًا، ويتفقان أحيانًا، بحسب السياق‏.‏

وينبغي بهذه المناسبة أن يعلم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها فقد تكون الكلمة الواحدة لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق، فالقرية مثلًا تطلق أحيانًا على نفس المساكن، وتطلق أحيانًا على الساكن نفسه ففي قوله تعالىعن الملائكة الذين جاءوا إبراهيم‏:‏ ‏{‏إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 31‏]‏ المراد بالقرية هنا المساكن، وفي قوله - تعالى ـ ‏:‏ ‏{‏وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 58‏]‏ المراد بها الساكن، وفي قوله - تعالى-‏:‏ ‏{‏أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 259‏]‏ المراد بها المساكن، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 82‏]‏ المراد بها الساكن، فالمهم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها وبحسب ما تضاف إليه، وبهذه القاعدة المفيدة المهمة يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه كثير من أهل العلم من أن القرآن الكريم ليس فيه مجاز وأن جميع الكلمات التي في القرآن كلها حقيقة لأن الحقيقة هي ما يدل عليه سياق الكلام بأي صيغة كان، فإذا كان الأمر كذلك تبين لنا بطلان قول من يقول‏:‏ إن في القرآن مجازًا، وقد كتب في هذا أهل العلم وبينوه، ومن أبين ما يجعل هذا القول صوابًا أن من علامات المجاز صحة نفيه بمعنى أنه يصح أن تنفيه فإذا قال‏:‏ فلان أسد، صح لك نفيه، وهذا لا يمكن أن يكون في القرآن، فلا يمكن لأحد أن ينفي شيئًا مما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم‏.‏

‏(‏468‏)‏ سئل فضيلة الشيخ‏:‏ عن حكم إطلاق لفظ ‏"‏السيد‏"‏ على غير الله تعالى‏؟‏

فأجاب بقوله‏:‏ إطلاق السيد على غير الله تعالى إن كان يقصد معناه وهي السيادة المطلقة فهذا لا يجوز، وإن كان يقصد به مجرد الإكرام فإن كان المخاطب به أهلًا للإكرام فلا بأس به‏.‏ ولكن لا يقول‏:‏ السيد بل يقول ياسيد، أو نحو ذلك، وإن كان لا يقصد به السيادة والإكرام وإنما هو مجرد اسم فهذا لا بأس به‏.‏